حسن حنفي
107
من العقيدة إلى الثورة
الوراء « 179 » . ان افتراض القدرة على الضد افتراض صوري محض يقوم به المشاهد المحايد الخارج عن الفعل وكأن السلوك الانساني سلوك آلى يحدث في أي تجاه ممكن ، ويتغير من اتجاه إلى آخر ما دام الفعل حرا . لا يعنى الفعل الحر ، الفعل بلا غاية ولا باعث ولا فكرة أي الفعل الّذي يسير في كل اتجاه فهذه حرية اللامبالاة ، وهي حرية افتراضية صورية خالصة وأقرب إلى غياب الحرية . الفعل الحر هو الفعل الهادف الملتزم القائم على باعث . ان افتراض وجود قدرة أخرى أعظم قدرة على خلق الضد افتراض صوري خالص يقوم على اثبات عواطف التأليه والتعظيم وعلى المزايدة في الايمان ، ولا يثبت شيئا في الواقع . وهناك فرق بين السلوك الموجه كنتيجة للجبر وبين السلوك الموجه كنتيجة للجبر الذاتي . ففي الجبر يستحيل الانسان أن يكون قادرا على الترك أو على فعل الضب ؟ ؟ ؟ لا لان فعله مرهون بفكرة أو باعث أو غاية بل لأنه مسير بقدرة خارجية لا محيد عنها . وعادة ما يحدث الفعل في حدود الطاقة البشرية ولا يتعداها . وإعادة شجرة مقطوعة أو حمل رجل بعد الأخرى خارج عن حدود الطاقة ، ولا يثبت عجز الانسان على الاتيان بالضد . فهذا الافتراض قائم اذن على
--> ( 179 ) من شرط الخالق للشئ أن يكون قادرا على خلق الشيء وضده . فان من يقدر على خلق الحياة يقدر على خلق ضدها وهو الموت . وكذلك من يقدر على خلق التفريق في الجسم يقدر على خلق الاجتماع له حتى يعود كما كان جسما مؤلفا . ولما وجدنا أحدنا لا يقدر على ذلك صح أنه غير خالق . ولما وجدنا الخالق يقدر على خلق الشيء وضده دل ذلك على أنه هو الخالق لا خالق سواه ، الانصاف ص 148 ، أحالت المجبرة في تثبيتها القدرة على أحد الضدين ونفيها إياها عن الآخر . وتزعم المجبرة أن الكافر قادر على الكفر الّذي هو فيه غير قادر على الايمان الّذي تركه ، الانتصار ص 11 ، فلو كان العبد موجدا لافعاله لكان متصرفا في بدنه ولكان يمنع عن نفسه الموت والأمراض والغضب والغفلة . فلما لم يقدر على المنع علمنا أنه غير متصرف في بدنه . وإذا لم يكن متصرفا في بدنه لم يكن موجدا لافعاله بالنص والمعقول ، المسائل ص 375 . وزعم فريق من المجبرة أن القدرة مقارنة لمقدورها تصلح للضدين ، وهذا انما أخذوه عن ابن الراوندي ظنا منهم أنه ينجيهم من ارتكاب القول بتكليف ما لا يطاق ولا خرج عن ذلك أيضا لان القدرة إذا كانت مقارنة لمقدورها صالحة للضدين يجب أن يوجد من الكافر الكفر والايمان معا أو يكون تكليفه بالايمان بما لا يطاق ، الأصول ص 198 .